التكامل المعرفي بين الدراسات القرآنية والحديثية وباقي العلوم
- Post by: المحرر
- سبتمبر 28, 2018
- No Comment
الملخص: إن الدراسات القرآنية والسنية من أشرف العلوم لتعلقهما بالوحي الشريف ولتضمنهما قيم الدين الإسلامي الصحيحة، واستيعابهما الطريق السوي الذي يضمن النجاة والسعادة في الدارين، وقد حث الإسلام على العلم في كل مجالات الحياة ولم يميز مجالا عن آخر بما أنه يعمل على إفادة الناس وتحقيق مصالحهم، وقد أثبتت الدراسة أن العلم لا قيمة له إذا لم يفعل، ولم يتماشى مع مصالح الناس، ولم يكن طرفا في تحقيق الخلافة في الأرض، كما انتهت الدراسة إلى أن العلوم المتعلقة بالوحي لا تكون فاعلة، ولا يتحقق المراد منها إلا إذا تكاملت مع بقية العلوم العملية المسيرة لحياة البشر.
Abstract: Qur’anic and Sunnah-based studies are among the most honorable sciences due to their association with divine revelation and their classification as foundational pillars of the Islamic religion. These sciences are esteemed for guiding individuals toward the righteous path that ensures success and happiness in both worlds. Islam has emphasized the pursuit of knowledge in all aspects of life, as it serves to benefit humanity and realize their interests. The study has demonstrated that knowledge holds no intrinsic value unless it functions to benefit people and fulfill their interests. Neither party—those concerned with worldly matters nor those focused on divine revelation—can achieve the intended purpose of knowledge unless it is integrated with the other. Moreover, the study concludes that knowledge related solely to revelation is ineffective and fails to accomplish its intended goals unless it is complemented by the other practical sciences that contribute to a complete and righteous way of life.
مقدمة: إن العلوم الإسلامية هي أشرف العلوم على الإطلاق، وذلك لأنها تنبني أساسا على الوحي الشريف بقسميه؛ فهي التي تعنى بتفسيره وإيصال معانيه للناس، ومن ثم تحقيق الخلافة في الأرض على الوجه الذي يريده الله تعالى، وهذا ما يظهر العلاقة الوطيدة بين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ فالإسلام دين شامل لكل مجالات الحياة وهذا يقتضي أن تكون علومه شاملة لكل هذه المجالات ما تعلق منها بالجانب المادي أو المعنوي. ومن هنا يمكن طرح الإشكالية الآتية : ما هي حدود الخصوصية ومتطلبات التكامل بين الدراسات المتعلقة بالكتاب والسنة والعلوم الأخرى : الشرعية و الإنسانية والاجتماعية من منظور الوحي؟ وأريد من خلال هذا الملتقى عرض ورقة علمية متعلقة بالمحور الأول الموسوم ب: ماهية العلوم الإسلامية والاجتماعية والإنسانية، وقد عنونت المداخلة ب الدراسات القرآنية، والحديثية وعلاقتهما التكاملية مع بقية العلوم. وتكن أهمية هذا الموضوع في أنه يعالج موضوعا واقعيا بالغ الأهمية، فلا يخفى على أحد مدى أهمية هذين العلمين لإعادة النهوض بالأمة الإسلامية وشهودها الحضاري باعتبارهما الممثلين الرئيسين للوحي الشريف وعزل الدراسات القرآنية والسنية عن بقية المجالات العلمية يؤدي إلى إعاقتهما، وإبعادهما عن معترك الحياة، ولن تكون بهذه الحيثية – أقصد العزل إلا علوما صورية، شكلية بعيدة عن واقع الناس بخلاف ما إذا تكاملت وتزاوجت مع بقية العلوم بمختلف مجالاتها. وقد تكونت المداخلة من العناصر الآتية: مقدمة، مكانة العلم في الإسلام، مميزات العلم من منظور الكتاب والسنة، التكامل بين الدراسات القرآنية والحديثية وبقية العلوم، نماذج تطبيقية في تكاملية هذين العلمين مع العلوم الأخرى: الخاتمة.
أولا: مكانة العلم في الإسلام: إن اول ايه انزلها الله من القرآن هي إقرا وهذا دليل على اهمية العلم في الإسلام ومكانته العاليه وقد جعل الله مكانة العلماء عالية القدر وأشاد بهم حيث قال: ” إنما يخشى الله من عباده العلماء” فاطر: 28. وأعلى من شأنهم فقال: “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” الزمر: 9. “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” النحل 43. وقال أيضا: ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير” المجادلة: 11. وقد وصف الله تعالى العلم بالحكمة فقال: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۖ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) البقرة: 269. وقد أفاض القرآن الكريم في طلب التفكر والتدبر من المؤمنين وغيرهم في كثير من الآيات، وهذا يدل على المكانة العالية للعلم في الإسلام. و روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله». وروى البخاري أيضا عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها 2 . وروى البخاري أيضا في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم علمه الكتاب». عن عثمان رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه 4. عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم “5. عن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر الرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».
ثانيا مميزات العلم من منظور الوحي: للعلم من منظور الوحي مميزات عديدة ذكر من ذلك:
الميزة الأولى: الإخلاص فيه الله تعالى: فقد أمر الله تعالى بالإخلاص في الاعمال وتوعد المرائين والمنافقين بأشد العذاب والإخلاص في العمل من أساسيات العقيدة الإسلامية، ومن متطلبات الإيمان الصادق فالله الكريم لا يقبل عمل المرائين، ويرده يوم القيامة عليهم قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 162] الأنعام 162. وقال أيضا: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هود : 15 16 . وقال أيضا في حق أبي بكر الصديق إمام المخلصين، وقدوة الجميع في هذه الصفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَى { إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى الليل 19-20. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من الرياء ومن عاقبة من يطلب علما لا يخلص فيه النوايا الله ولدينه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جائية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له كذبت، وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى له كذبت، وتقول له الملائكة كذبت، ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذاك ” ، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – : ” من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة” يعني ريحها “8. وروى الترمذي في سننه عن ابن عمر ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار”. وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم علما لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار 10.
الميزة الثانية: الإصلاح في الأرض وتحقيق الخلافة: فالهدف من العلم وطلبه هو توفير الحياة الطيبة وتحقيق الرفاهية للبشر ونشر العدل والإحسان والسعادة والطمأنية في حياة الناس، وهذا ما يسمى- حسب المصطلح القرآني بالخلافة في الأرض، وعمارتها على الوجه الذي أمر به الله تعالى. قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) البقرة 30-33. وقال أيضا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: 104. وقال أيضا في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) الأنعام: 165. ولا تمكين في الأرض ولا خلافة إلا بالتمكن من أسباب القوة، وأعظم سبب من أسباب القوة هو العلم المقرون بالإيمان، فقد قال الله تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام في سورة يوسف ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ يوسف: 37. وقد كان هذا العلم النابع من الإيمان بالله تعالى هو الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يتمكن من تمثيل الخلافة في الأرض بالوجه الأمثل حيث قال كما جاء في القرآن الكريم: “قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”. وجاءت السنة النبوية الشريفة وبينت أن العلم النافع هو الذي يعمل به ويطبق على أرض الواقع وتتمثل فائدته في جانب من جوانب الحياة، وهذا تحقيقا للهدف المراد من الوجود الإنساني وهو الخلافة في الأرض. روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلا والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به 11. وروى النسائي في سننه عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” اللهم إني أعوذ بك من الأربع من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع “12. ولأن العلم هو السبيل الأمثل في تحقيق الخلافة، فقد كانت مرتبة العلماء أعلى من مرتبة العباد والنساك، بل رفعت مرتبتهم فكانوا ورثة للأنبياء كما جاء في نص الحديث الذي رواه أبو داود أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله عز وجل به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر 13.
الميزة الثالثة: العلم سبيل لنيل رضا الله في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة: فالإنسان مسؤول عن أعماله في الدنيا ويحاسب عليها يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف 49. وقال أيضا : ” ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8 9 الزلزلة. عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه 14. وطلب العلم سبيل للجنة: فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت ، الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه 15.
الميزة الرابعة شمولية المجالات: فلا بد أن يكون طلب العلم في شتى المجالات التي تتحقق بها خلافة الإنسان في الارض، ولا يقتصر على العلم في مجال واحد، فالإنسان جسد وروح، ولهذا لا بد أن تكون العلوم تتناول ما يخدم هذين الشقين على حد سواء، قال الله تعالى في سورة الأنعام: “ما فرطنا في الكتاب من شيء”. وقد جاء حديث القرآن شاملا لكل ما يحتاجه البشر من وجوه الهداية والإصلاح وكذلك السنة النبوية لم يترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم مجالا من مجالات الحياة إلا وتناوله في سنته القولية أو الفعلية أو التقريرية بالبيان والتفصيل سواء كان ذلك في مجال العقائد والأخلاق، أو العبادات، أو المعاملات، أو التربية أو القضاء والفصل في النزاعات وتنظيم المجتمعات، أو حتى العلاقات الدولية ….. ومن الأحاديث الدالة على انفتاح النبي صلى الله عليه وسلم على العلوم طلبه صلى الله عليه وسلم من الصحابة تعلم اللغات لأمن مكر العدو قال زيد بن ثابت أمرني رسول الله – صلى الله عليه وسلم فتعلمت له كتاب يهود، وقال: “إني والله ما آمن يهود على كتابي” فتعلمته، فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إذا كتب، وأقرأ له إذا كتب إليه 16.
الميزة الخامسة: الحكمة ضالة المومن: فالعلم من منظور الشرع ليس حكرا على قوم دون قوم أو فئة دون الأخرى، فطالب العلم لا بد أن يجتهد ويسعى ليصل إلى الحقائق ليفيد بها المجتمع الإنساني أيا كان مصدر هذا العلم. روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا – أو أراد أن يكتب – فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده فقلت لقتادة من قال: نقشه محمد رسول الله ؟ قال أنس 17. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها 18 .
الميزة السادسة: النشر وتعميم الفائدة: فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أي يوم هذا ، فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: «أليس يوم النحر » قلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس بذي الحجة قلنا : بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم ، وأعراضكم بينكم ، حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه 19. وذكر البخاري في تراجمه فقال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا »20. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من سئل عن علم، فكتمه الجمه الله بلجام من نار يوم القيامة “21. عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم – يقول: “نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه “22. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» 23.
الميزة السابعة: طلب العلم من الفروض العينية: فطلب العلم أمر موجه لجميع الفئات وكل المستويات فالتعليم للجميع، والتخصص للمتميزين، فالله تعالى لم يخلق الناس على مرتبة واحدة ولم يجعل مستوياتهم الفكرية وقدراتهم العقلية في الفهم والاستنباط والقدرة على التحليل واحدة، وهذا واضح في قوله تعالى في سورة التوبة: “وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” (التوبة: 122). وقال عز وجل في سورة العنكبوت: “وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ” (العنكبوت: 43)، وقال تعالى في سورة آل عمران: “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ” (آل عمران: 7). عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له 24 وهذا دليل على اختلاف قدرات الناس. أما العلم الأولي الذي لا يعذر الجاهل بجهله، والعلوم الأساسية التي تستقيم بها حياة الناس فلا فرق فيه في منظور الشرع بين كبير وصغير ولا رجل ولا امرأة ولا بين عبد مملوك وسيد عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وأمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديها وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران “25. وعن أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال: «اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا ، فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمهن مما علمه الله، ثم قال: «ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة، إلا كان لها حجابا من النار»، فقالت امرأة منهن يا رسول الله، أو اثنين؟ قال: فأعادتها مرتين، ثم قال: واثنين واثنين واثنين 26. وذكر البخاري في تراجمه وقال عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا قال أبو عبد الله: «وبعد أن تسودوا وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم » 27.
ثالثا: التكامل بين الدراسات القرآنية والسنية وبقية العلوم: فمن خلال ما سبق من تقديم ببيان مكانة العلم ومميزاته وخصاصه نصل إلى نتيجة حتمية وهي أن الإسلام في جملته يدعو إلى بناء الحضارة وتحقيق العدالة والرفاهية في حياة الناس في العاجلة والآجلة فهو يحث على طلب العمل في شتى المجالات التي تنفع الناس الجانب الروحي المتمثل في العقائد والأخلاق وجانب العبادات والمعاملات، وما يصلح به حالهم في الدنيا في مختلف الشؤون كالعلوم الإنسانية والاجتماعية والمادية ولا فرق بين علم وآخر بما أن كل واحد من هذه العلوم يخدم الإنسان ويساهم في بناء حضارته ورقيه. فكل تخصص له مجال يعنى به ويتمايز به عن غيره. ومع هذا فالعلوم كلها تتكامل مع بعضها البعض وتخدم بعضها البعض لتخرج لنا في الأخير حضارة راقية تفيد الإنسانية جمعاء. وسنذكر نوعين من العلوم الشرعية وهي الدراسات المتعلقة بالكتاب والسنة وكيف يمكن لهذين العلمين أن يتكاملا مع بقية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الشرعية الأخرى.
أولا: التعريف بالعلوم القرآنية والحديثية: العلوم القرآنية هي العلوم التي يشتعل فيه الباحثون بالقرآن الكريم من حيث رسمه وضبطه، ومن حيث فهمه 28. العلوم الحديثية هي العلوم التي يشتغل فيها الباحثون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم من حيث ثبوته، ومن حيث فهمه، فمن حيث ثبوته يتناول فيه الباحثون مسائل التصحيح والتضعيف ودراسة العلل في الأسانيد، أما من فهمه فيتناول فيه الباحثون الدراسات المتعلقة بمختلف الحديث وغريبه، وناسخه ومنسوخه وفهم مقاصده ومراميه، وهو ما يسمى في مصطلح أهل الحديث بعلم الحديث دراية 29.
ثانيا: فضل الاشتغال بعلوم الوحي: ورد في فضل الاشتغال بعلوم القرآن والسنة العديد من الأحاديث، نذكر من ذلك: – عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه 30. – عن أبي موسى الأشعري، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ، ولا ريح لها “31. عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن الله أهلين من الناس. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القرآن أهل الله وخاصته “32.
ثالثا: لا فضل لهذين العلمين إذا تجردا من خاصيتي النفعية والواقعية: إن قداسة العلوم المتعلقة بالكتاب والسنة، وأفضليتها لا تكون إلا إذا كان هذا العلم مرتبطا بواقع للناس، فلا بد أن تكون الدراسة فيهما نافعة وتعود بالخير على الأفراد والمجتمعات الإسلامية والإنسانية، قال الله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ الرعد: 17. وقد استعاد النبي صلى الله عليه وسلم من العلم الصوري الشكلي الذي لا يحقق فائدة ولا يخدم مصلحة، ولا يلبي حاجة ولا يتماشى مع متطلبات الحياة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم -: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع “33. – وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به بعده ” 34. ولكي يكون نافعا لا بد أن يكون واقعيا يعالج مشاكل يعيشها الناس: فالإسلام دين الواقعية ويحارب المثاليات الخرافية البعيدة عن حياة البشر، ولذا لا بد أن تكون الدراسات في العلوم الإسلامية بشكل عام والمتخصصة بالدراسات القرآنية والحديثية بشكل خاص تتسم بالواقعية وتعالج ما يعيشه الناس من قضايا وإشكالات بصورة عملية ملموسة، ولهذا كان جل الخطاب القرآني المكي يتجه إلى جانب العقائد والأخلاق، ولم يأت الخطاب التشريعي إلا بعد الهجرة حيث تمكن الإيمان من النفوس واستقرت العقيدة في قلوبهم، وقد كان نهج النبي صلى الله عليه وسلم طوال سيرته العطرة يخاطب الناس ويعاملهم على قدر عقولهم و تفكيرهم وقد قال صلى الله عليه وسلم كما روت عنه عائشة رضى اله عنها : لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك، لهدمت الكعبة، فالزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا، وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة 35. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحديث الذي لا فائدة فيه فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا 36. قال ابن الأثير : المتنطعون هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل تعمق قولا وفعلا “37. قال الدكتور سعيد فكرة: “من التنطع السؤال عما لم يكن وطرحه ومناقشته، دون أن يكون حدوثه متوقعا في القريب، ودون أن يترتب عن بحثه فائدة علمية … فيجب أن يشتغل في بحثه بكبريات المسائل التي تعالج قضايا عصره، و ، ويؤكد هذا كراهة السلف التوسع في الحديث أو السؤال عما لم يقع “38. قال الإمام ابن حجر في فتح الباري في شرح ترجمة البخاري (قوله باب ما يكره من قيل وقال: “والمراد أنه نهى عن الإكثار بما لا فائدة فيه من الكلام… والحكمة في النهي عن ذلك أن الكثرة من ذلك لا يؤمن معها وقوع الخطأ وقيل هو أن يذكر للحادثة عن العلماء أقوالا كثيرة ثم يعمل بأحدها بغير مرجح أو يطلقها من غير تثبت ولا احتياط لبيان الراجح والنهي عن كثرة السؤال يتناول الإلحاف في الطلب والسؤال عما لا يعني السائل وقيل المراد بالنهي المسائل التي نزل فيها لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وقيل يتناول الإكثار من تفريع المسائل ونقل عن مالك أنه قال والله إني لأخشى أن يكون هذا الذي أنتم فيه من تفريع المسائل ومن ثم كره جماعة من السلف السؤال عما لم يقع لما يتضمن من التكلف في الدين والتنطع والرجم بالظن من غير ضرورة 39. ويقول الإمام النووي تعليقا على حديث سهل بن سعد في سؤال عاصم بن عدي النبي صلى الله عليه وسلم: المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها “40. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» 41. وتتعذر النفعية والواقعية في العلوم المختصة بالكتاب والسنة ولا تتحقق فيما يبدو لي إلا إذا تكاملت مع التخصصات والفروع العلمية الأخرى. فالدراسات الناجحة، والعلوم النافعة هي التي يحافظ فيها الطالب على تخصصه، وفي الوقت نفسه لا يعزل عقله عن بقية العلوم والمعارف الأخرى، فلا بد أن يربط بحثه بمختلف التخصصات العلمية، فذلك ما يجعل بحثه أكثر نفعية وواقعية، وبشكل خاص الدراسات المتعلقة بالكتاب والسنة لأنها في جملتها علوم نظرية، تتضمن قواعد كلية بحاجة إلى علوم أخرى مساعدة لتحويلها إلى علوم عملية فلا بد أن يكون الباحث فيهما متمكنا من العلوم الأخرى الشرعية منها والإنسانية والاجتماعية التي تخدم بحثه ليتمكن من ربط بحثه بقضايا في الدعوة والإرشاد، أو الفقه، أو العقيدة أو مقارنة الأديان أو التاريخ والحضارة، أو الاقتصاد والمعاملات المالية التربية وعلم النفس، علم الاجتماع …… ودليل ذلك أن موضوع الكتاب والسنة وأساس إنزالهما هو إصلاح أحوال الناس في الحال والمال في كل مجالات الحياة، قال الإمام السيوطي في هذا الصدد: “وإن كتابنا القرآن لهو مفجر العلوم ومنبعها ودائرة شمسها ومطلعها أودع فيه سبحانه وتعالى علم كل شيء وأبان فيه كل هدي وغي فترى كل ذي فن منه يستمد وعليه يعتمد فالفقيه يستنبط منه الأحكام ويستخرج حكم الحلال والحرام والنحوي يبني منه قواعد إعرابه ويرجع إليه في معرفة خطأ القول من صوابه، والبياني يهتدي به إلى حسن النظام ويعتبر مسالك البلاغة في صوغ الكلام، وفيه من القصص والأخبار ما يذكر أولي الأبصار ومن المواعظ والأمثال ما يزدجر به أولو الفكر والاعتبار إلى غير ذلك من علوم لا يقدر قدرها إلا من علم حصرها هذا مع فصاحة لفظ وبلاغة أسلوب تبهر العقول وتسلب القلوب وإعجاز نظم لا يقدر عليه إلا علام الغيوب “42. وانطلاقا من هذا يتحتم بشكل إلزامي على الباحث فيهما التمكن والإحاطة بأحد هذه المجالات على الأقل، فالوحي الشريف المتمثل في الكتاب والسنة لم بنزله الله تعالى إلا لهداية البشر، ومعايشة أحواهم بالتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، وتحقيق السعادة والطمأنينة في حياتهم الدنيوية والأخروية، وهكذا البحث فيهما لا يقتصر فيه على استخلاص النظريات المثالية المجردة ، مع أهميتها، بل لا بد من تنزيلها – بعد استخراجها وتفعيلها وتبليغها، وإيصالها لأهلها ومستحقيها من أفراد المجتمع ، أيا من كانوا في قالب حسن وضيء مشوق مشرق يتقبله الناس ويناسب قدراتهم العقلية والإدراكية. فتكون دراسته بهذا الشكل التكاملي ممثلة للوحي ومنزلة لهديه في حياة البشر وتكون بمثابة همزة وصل بين الوحي الشريف وحاجات الناس المتغيرة عبر الزمان والمكان. ولا نريد من هذا أن الباحث في الكتاب والسنة يتملص من تخصصه ويتطفل على تخصص الآخرين، بل دراسته وجهده الأول وعمله يكون في الكتاب والسنة، بالإضافة إلى مجال آخر من مجالات العلوم المتنوعة، يكون على علم بمبادئها وأساسياتها الأولية، وعلى اطلاع جزئي دون غوص المتخصصين والهدف من هذا التكامل والازدواجية بين العلوم القرآنية والحديثية وغيرهما من العلوم هو إنجاز عملية الربط، وإيصال القنوات مع بعضها البعض، فيسهل بذلك على أهل التخصصات الأخرى الاستفادة من الدراسات المؤصلة من الكتاب والسنة. لأنه بذلك الإلمام أو إن صح التعبير بذلك الاطلاع على العلوم الأخرى يستطيع أن يجعل دراسته الشرعية تلك، في الكتاب أو السنة موجهة إلى مجال معين يخدم فيه المجتمع في صورة ما ، ويستطيع من خلال ذلك كله جعل دراسته نافعة ومرتبطة بالواقع، وخادمة للمجتمع 43. قال رجاء وحيد دويدري في كتاب البحث العلمى أساسياته النظرية وممارسته العملية عند تناوله لعنصر : توافر الثقافة الواسعة للعلماء : ولع الغربيون في العصور الحديثة بالتخصص الضيق حتى استخف أهله بسائر فروع المعرفة البشرية، وقد شهد القرن العشرين تحولا فجائيا أفضى إلى نوع من التقارب بين العلم التجريبي وغيره من فروع المعرفة البشرية وكان هذا بعد أن غلبت النزعة المادية على ذلك العلم، وأيد هذا التحول واضعوا المناهج العلمية، حيث طالبوا الباحثين بالوقوف على كل ما من شأنه أن يساعدهم على دراسة موضوعاتهم وفهمها على أحسن الوجوه ومن ذلك أنهم أوصوا الطبيب بأن يلم بعلوم الأحياء والكيمياء والصيدلة والنفس وغيرها، بل إن كلود برنارد” كان يوصي العالم الطبيعي بأن يتزود بثقافة واسعة في الفلسفة والفن معا، أما عن التراث العربي، فقد اقتضت روح العصر … أن تتهيأ للمفكر ثقافة واسعة، لأن فروع المعرفة ومنها العلم الطبيعي، كانت مذابة في الفلسفة “44.
رابعا: نماذج تطبيقية: وفيما يلي سأذكر بعض الأمثلة لعناويين بحوث ودراسات في تخصص الكتاب والسنة وكيف يمكن إعادة صياغتها بحيثية تجعل هذه البحوث أكثر نفعا وربطا بمجتمعاتنا ومشالها، وذلك من خلال تكامل هذين العلمين الشريفين مع العلوم العملية المتصلة بواقع الناس كعلوم التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وكذا بعض العلوم الشرعية كالفقه والمقاصد، والدعوة، والعقيدة
أولا : في الدراسات القرآنية: الطيبون في القرآن، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم القرآن مع الدراسات التاريخية، و يمكن أن نعيد صياغة عنوان هذه الدراسة على سبيل المثال بالشكل الآتي: الطيبون في القرآن ومدى تطابق هذه الصفة على شخصيات جزائرية على مر التاريخ، ويمكن أن تحدد الدراسة بشخصيات في فترة الثورة التحريرية على سبيل المثال، فمن المفيد جدا أن يتعرف الناس على أبطال الثورة وربط صفاتهم بالقرآن الكريم. تربية الأولاد في القرآن، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم القرآن مع الدراسات المتخصصة في علوم التربية ويمكن أن يكون العنوان بالشكل الآتي: تربية الأولاد في القرآن وسبل تفعيلها في المدارس التحضيرية ودور الحضانة مثلا ….. بناء الشخصية المؤمنة في القرآن، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم القرآن مع الدراسات المتعلقة بعلوم التربية أيضا ويمكن أن يكون العنوان بناء الشخصية المؤمنة في القرآن وسبل تفعيلها على الأطفال المتمدرسين. منهج الأنبياء في الحوار مع أقوامهم، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم القرآن مع الدراسات المتعلقة بعلم النفس، فيصاغ بالشكل الآتي: منهج الأنبياء في الحوار مع أقوامهم وتطبيقاتها على الخطاب الموجه في مؤسسات إعادة التربية والتأهيل.
ثانيا في الدراسات السنية: الأحاديث الواردة في المعاملات المالية – جمعا وتخريجا ودراسة ، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات الفقهية و المقاصدية والاقتصادية وكان العنوان بالشكل الآتي: الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في المعاملات المالية جمعا وتخريجا ودراسة ودورها في حل بعض الإشكالات المالية المعاصرة. تعدد روايات الحديث النبوي الشريف وأثره في اختلاف المحدثين في الحكم على الحديث، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات الفقهية أيضا والمعاملات المالية وقد يكون العنوان بالشكل الآتي: تعدد روايات الحديث الواردة في البيوع وأثرها في اختلاف الفقهاء – دراسة تطبيقية على مسائل في الاقتصاد الإسلامي المعاصر. الأحاديث الواردة في الأسماء والصفات جمعا ودراسة وتخريجا، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات العقدية والاجتماعية، ويمكن أن يكون العنوان الأنسب الأحاديث الواردة في الأسماء والصفات ودورها في درء الخلاف بين المسلمين. منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناشئة، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات الأدبية والدعوية، ويمكن أن يكون العمل في شكل توجهات دعوية للأولياء مستوحاة من منهج النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة لأهم المشاكل التي يعانيها الأولياء في وقتنا الحاضر مع أبنائهم. أو في شكل قصص أدبية شيقة موجهة للأطفال تهدف إلى ترسيخ العقائد والسلوكات الإسلامية لصحيحة اعتمادا على ما صح من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. الأحاديث الواردة في المرأة جمعا ودراسة وتخريجا، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات الأصولية والمقاصدية، ويمكن أن يكون العنوان: الأحاديث الواردة في المرأة – دراسة مقارنة بين ما جاء في شرحها في الكتب الستة وما تقتضيه مقاصد الشريعة الإسلامية. المدلولات التربوية في القصة والأمثال النبوية، وقد يكون البحث أكثر نفعا إذا تكاملت فيه علوم السنة مع الدراسات الإعلامية والدعوية ، ويمكن أن يكون العنوان المدلولات التربوية في القصة والأمثال النبوية وتوظيفها في الإعلام المرئي. – دراسات في السيرة النبوية ، فيمكن ربطها بظاهرة التسرب المدرسي مثلا فيصاغ البحث على هذا النحو محطات في السيرة النبوية وأثرها في استثمار الشباب المتسرب من المدارس.
خاتمة: وفي نهاية هذه الدراسة نخلص إلى ما يلي: إن منهج الله تعالى الذي ارتضاه لعباده في الأرض، يقوم أساسا على تقديس وتمجيد العلم النافع المرتبط بحياة الناس وواقعهم الجالب لمصالحهم في الحال والمال والمحقق للسيادة والريادة في كافة المجالات، ولا يتحقق هذا المطلب الشرعي العظيم في الدراسات المتعلقة بالوحيين الكتاب والسنة، إلا إذا حافظت هذه الدراسات على حدود خصوصيتها وطبيعة مادتها كعلم قائم بذاته، لكن في مجال البحوث والدراسات العلمية والأطروحات الأكاديمية لا بد أن تتكامل مع غيرها من العلوم الأخرى الشرعية والإنسانية والاجتماعية.
